مقالات وآراء

المجاورين .. والجمالية الحلقة 6

 

بقلم الإعلامي طارق مصطفى

يقع المسجد الحسينى في نطاق حي الجمالية و كذلك مشيخة الأزهر ودار الإفتاء المصرية، و نقابة السادة الأشراف، و بمجرد ( ما تعدي نفق صغير) بين ميدان الحسين وشارع الأزهر، تجد نفسك أمام الجامع الأزهر و بعده بخطوات قليلة تجد على يمينك و انت متجه إلى ( الدراسة ) بعض الكليات النظرية لجامعة الأزهر هي مستمرة في آداء رسالتها بالتوازي مع باقي كليات الجامعة في مدينة نصر حتى الآن ، و أمام الجامعة على الجانب الآخر ستجد أشهر المكتبات المتخصصة في إصدارات و مجلدات كافة العلوم الإسلامية، ذلك فضلاً عن وجود جامع الأقمر و جامع الحاكم بأمر الله بشارع المعز فى قلب الجمالية، ( و خطوتين و تبقى عند جامع الشعراني رضي الله عنه) على المشارف الغربية للحي ، هذا المناخ جعل هذه المنطقة ذات طبيعة خاصة ، حيث يقطنها و يفضل سكناها كثيرون ممن لهم علاقة بالعمل الدعوى الإسلامي أو عالم التلاوة و مشايخه ، أو محبو آل البيت، أو دارسو العلوم الأزهرية خاصة فيما سبق من الأيام الخوالي ، إذ كان من الطبيعي أن ترى بعض المجاورين الذين أتوا من الشام و المغرب و أفغانستان و تركيا لدراسة علوم و أصول الدين و المذاهب السنية و التواجد و الإقامة بجوار الجامع الأزهر و الحسين، فاطلق المصريون على هؤلاء الوافدين ( المجاورين )…
أما المجاورون من ( ولاد البلد) أو الدارسون المصريون، فكانت لهم حكاية غرام مع حي الجمالية، لأسباب مشابهة لأسباب و منطق المجاورين الوافدين، و أضف على ذلك أن الجمالية تقع في وسط القاهرة، و قريبة من كل الأماكن الحيوية، و كذلك فإن لها روحاً خاصة تشدك إليها حتى إن غادرتها..
و لعل أهم من سكن الجمالية_ في هذا الإطار الديني_ المجاور الأكبر إمام الدعاة فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي ولد عام ١٩١١ في ميت غمر، و جاء الى القاهرة بعد أن حصل على الثانوية الأزهرية، و هنا في القاهرة أكمل دراسته الجامعية في جامعة الأزهر، و عمل بعد ذلك أستاذاً بالمعاهد الأزهرية في مصر، ثم في الجامعات السعودية و الجزائرية، ثم وكيلاً للأزهر الشريف، فوزيرا للأوقاف عام ١٩٧٦، سكن هذا العالم المجدد و الفقيه و المفسر و الوزير، ميدان الحسين أمام الباب الأخضر لمسجد الإمام الحسين، و لسنوات طويلة عشقاً في القرب من رأس ولي النعم المسجاة في ضريحه بالمسجد العامر.. و لم يغادر الميدان و الجمالية إلا بعد بناء بيت خاص به بالقرب من الهرم يسهل تأمينه و حراسته…
أما الشيخ علي محمود و هو واحد من أهم مقرئي القرآن الكريم في العالم الإسلامي، و الملقب ب ( سيد القراء) ، و ( إمام المنشدين) فقد ولد بالجمالية عام ١٨٧٨م و بالتحديد بكفر الزغاري بين الجمالية و الدراسة في أسرة ثرية، و قدر له أن يفقد بصره في حادث.. و الشيخ علي محمود _ في حد ذاته _ مدرسة عريقة في التلاوة و كان أيضاً أستاذاً في الإنشاد الديني لايشق له غبار، هذا الشيخ العلم عاش أغلب سنوات عمره من المجاورين لسيدنا الحسين، متنسماً هواء الجمالية مع الطيبين من أهلها..
و لايختلف الأمر كثيراً مع الشيخ محمد الفيومي و الذي ولد بالجمالية عام ١٩٠٥ م لأب كان عالماً من علماء الأزهر الشريف، عُرف الشيخ محمد الفيومي قارئاً شهيراً للقرآن الكريم، و مبتهلاً و منشداً دينياً، و كان _ كما الشيخ علي محمود _ مكفوف البصر، و لكنه قد تميز عن نظرائه بأنه أول أزهري يعمل بالسينما، حيث أدى التواشيح الدينية في بعض الأفلام منها فيلما عزيزة ، و رصيف نمرة خمسة ، و كان الشيخ محمد الفيومي بطبيعة الحال، و نظراً للجيرة من عشاق فن إبن منطقته داود حسني، و تعلم على يديه الكثير من أصول الموشحات و المقامات الموسيقية، لذا نجد أن الشيخ محمد الفيومي قد جمع بين تجويد و ترتيل القرآن الكريم و بين الإنشاد الديني، بل أشرف _ بتكليف من الموسيقار عبد الحليم نويره عام ١٩٧٠ م _ على تعليم مطربي فرقة الموسيقى العربية الموشحات الدينية، و تراث الغناء الديني، و قد عاش هذا الشيخ الجليل معظم عمره في الجمالية، يذكر أن داود حسني كان من مواليد حارة اليهود بالجمالية أيضا ..
و من بين السادة المشايخ الأجلاء الذين جاوروا الأزهر و الحسين و سكنوا حي الجمالية، فضيلة الشيخ محمود عبد الحكم، و هو من مواليد قنا عام ١٩١٥ م، و لكنه بعد دراسته بالتعليم الازهري، انتقل للقاهرة للدراسة بجامعة الأزهر، فأقام في الجمالية، و بالتحديد بالدراسة و على مقربة من الأزهر و الحسين كذلك، و من أعمال الشيخ محمود عبد الحكم المهمة مشاركته مع الرعيل الأول من مقرئي القرآن الكريم في إنشاء أول رابطة لمقرئي القرآن الكريم، و قد مُنح الشيخ عبد الحكم وسام العلوم و الفنون من الطبقة الأولى عام ١٩٩٢م، و يعد من أهم مقرئي القرآن الكريم على مستوى العالم و هو من الرعيل الأول للسادة المقارئ..
أخيرا _ يقال _ إن الشيخ محمد محمود الطبلاوي أيضاً نقيب مقرئي القرآن الكريم و الذي ولد بميت عقبة عام ١٩٣٤ م، أقام و جاور الحسين و الأزهر في قصر الشوق لفترة من الزمن، ربما تلك الفترة التى كان يتعلم فيها علوم القرآن و التلاوة على مشايخه الشيخ عبد الفتاح القاضي و الشيخ محمود برانق..
و هكذا فإن الجمالية كما حظيت بوجود الأزهر جامعاً و جامعة بها و كذلك المشهد الحسيني، فإنها قد حظيت ببركات و أنفاس هؤلاء السادة من أجلاء المشايخ و المقرئين الذين عاشوا فيها كمجاورين أو من ولد منهم في حاراتها و أزقتها..
ترى هل كان هناك مجاورون آخرون من غير أهل القرآن و خدمته قد عشقوا العيش في هذا الحي العجيب؟! هذا ما سوف نعرفه في سطور قادمة إن شاء الله…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى