مقالات وآراء

الجمالية الحلقة الخامسة ‘‘ الخرنفش سياسة ورياسة ‘‘

بقلم الإعلامي طارق مصطفى

( الخُرُنْفِش ) حي من أحياء الجمالية في قلب القاهرة الفاطمية، و تعود تسميته إلى كلمة ( خرنشف) بعد أن تم تحريفها إلى (خرنفش ) ، و الخرنشف كلمة لها معنيان؛ الأول كان إشارة إلى منطقة تشتمل على ميدان صغير و اسطبل خيل للخلفاء الفاطميين ممن كانوا يسكنون القصر الغربي في هذه المنطقة، أما المعنى الثاني فهو مايتحجر من وقود حمامات الأمراء و النبلاء كحمام “إينال” و غيره و هذا الوقود هو بالأساس عبارة عن قمامة قصور و حدائق الأمراء الفاطميين يتم إشعالها لتسخين مواسير المياه التي تمد الحمامات داخل القصور بالماء الساخن، أما الرماد الناتج عن هذا الإشتعال فهو الخرنشف؛ و الذي عرف فيما بعد ب ( القصروميل) و ينطقه ولاد البلد اسروميل، و كان يستخدم لتثبيت الأحجار عند البناء – مماثلاً لمواد البناء الآن- خاصة في بناء الاسطبلات الخليفية في القاهرة الفاطمية، المهم حُرفت كلمة ” خرنشف” و أصبحت ” خُرُنفِش” ثم أصبحت أسم شارع يقع تماماً في منتصف شارع المعز على يسار القادم من الصاغة و بيت القاضي أو على يمين القادم من باب الفتوح…
و لعل من أهم معالم شارع الخرنفش _ في هذه المنطقة الفاطمية التاريخية _ مبنى ( كسوة الكعبة ) حيث كانت تصنع فيه الكسوة سنوياً للكعبة المشرفة و تُهدى للمملكة السعودية حتى عام ١٩٦٢م…

و الخرنفش حي ارتبط أيضاً بأسماء زعماء و سياسيين مصريين عظام قديماً و حديثاً، ففي مدرسة الفرير أو القديس يوسف تخرج سعد زغلول الزعيم العظيم و كذلك درس بها الزعيم الوطني مصطفى كامل، و المدرسة تقع عند نهاية شارع الخرنفش من ناحية شارع بورسعيد عند بين السورين.. وفي مرحلة لاحقة سكن الخرنفش و تربى فيه الزعيم الخالد جمال عبد الناصر بداية من عام ١٩٣٣م ذلك عندما انتقل والده الأستاذ عبد الناصر حسين الموظف بمصلحة البريد من مقر عمله بمحافظة السويس ليصبح مأموراً لمكتب بوسطة الخرنفش _ و بالمناسبة لازال هذا المكتب يعمل حتى الآن عند مدخل شارع الخرنفش من جهة شارع المعز _ و قام الرجل بشراء البيت نمرة ٣ حارة خميس العدس _ الأسم محرف عن خميس العهد _ و هي إحدى حارات الخرنفش القريبة من حارة اليهود..
سكن الأستاذ عبد الناصر حسين و أسرته و من بينها الطفل جمال الدور الأول بهذا البيت حيث خصص الرجل لأسرته شقة كبيرة بمنافعها تلات ( مطارح) و ( عفشتين مية) و مطبخ كبير _ بلغة ذلك العصر _ و هكذا نجد أن ناصر عدو الصهيونية قد نشأ و تربى بالقرب من حارة اليهود بل و فوق باب بيت أسرته نقش حجري كبير ل ( نجمة داود) الرمز اليهودي المعروف، كذلك كانت تسكن في الشقة الواقعة فوق شقتهم أسرة يهودية، بل و يشاع أن موشي ديان الزعيم الإسرائيلي ولد أو عاش هناك على مقربة من بيت ناصر في حارة اليهود.. إنها فيما يبدو سخرية القدر.. و بالطبع نحن ندرك الفارق الكبير بين اليهودية و الصهيونية.. فقد عاش هنا في حارة اليهود بالخرنفش يهود مصريون معظمهم كان يرفض الصهيونية كونهم كانوا من نسيج الشعب المصري و ديانتهم هي اليهودية فقط.. بل إن بعضهم لم يهاجر إلى إسرائيل حتى توفي هنا متمسكاً بمصريته ..
جاء عبد الناصر إلى الخرنفش طفلاً و غادرها ” ضابطاً” بالجيش المصري بعد أن عاش و تعلم في مدارس هذا الحي و بين أهله الطيبين الذين يشكلون خليطاً بديعاً كان يجمع الكل؛ المسلمين و المسيحيين و اليهود دون تمييز و في وئام و ألفة ، و يذكر أن ناصر قد درس بمدرسة النحاسين الإبتدائية التي إصبحت الآن ( متحف النسيج) بشارع المعز…
على مقربة من بيت ناصر بالخرنفش و تحديداً بحارة البرقوقية و في الدور الثالث من بيت عيلة السيسي نمرة ٧ بهذه الحارة و التي تقع عند مدخل حارة اليهود من جهة شارع الخرنفش؛ ولد عبد الفتاح سعيد حسين خليل السيسي، و الذي أصبح لاحقاً الشخصية الأشهر سياسياً في مصر و الشرق الأوسط، هنا ولد الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم ١٩ نوفمبر عام ١٩٥٤م و درس في مدرسة البكرى الإبتدائية بالقرب من بيت الأسرة ثم مدرسة باب الشعرية الإعدادية بشارع أمير الجيوش بالقرب من ميدان باب الشعرية ثم بمدرسة خليل أغا الثانوية بشارع الجيش قرب مدخل حي الظاهر ، و جميعها مدارس قريبة من الخرنفش.. و بقية قصة الرئيس السيسي معروفة و هي التطور الطبيعي لضابط قوات مسلحة منضبط و متميز رُقي حتى أصبح وزيراً للدفاع وهو أيضاً أسم بارز من بين أسماء قليلة حملت رتبة المشير في تاريخ العسكرية المصرية الحديث، ثم أصبح كما نعلم حميعاً قائداً لثورة ٣٠ يونيو ، فرئيساً و زعيماً لمصر…
و على سبيل ذكر ٧ حارة البرقوقية بالخرنفش فإن نفس البيت، بيت عائلة السيسي، ولد و عاش فيه دكتور محمد أبوشادي وزير التموين في حكومة د. حازم الببلاوي ، أي أنه كان جاراً و صديقاً للرئيس السيسي أيام الصبا و الشباب بطبيعة الجيرة..
و هكذا فإن الخرنفش حي سارت فوق تراب حاراته، و عاشت به قامات وطنية و هامات قيادية فذة؛ بداية من الزعيمين سعد زغلول و مصطفى كامل، مروراً بالزعيم الخالد جمال عبد الناصر، و وصولاً للرئيس عبد الفتاح السيسي ..
عن المجاورين في الجمالية ، نلتقي الأسبوع القادم…
[8:41 AM, 8/27/2020] طارق مصطفى:

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى