Uncategorizedمقالات وآراء

‘‘الجمالية الحلقة 4 ‘‘ نوبل دخلت بيت القاضى

 

بقلم الإعلامي \ طارق مصطفى
وبعد ( المسافرخانه) و بيت ( صقر بيه ) في قصر الشوق و حكايا الخديوي و طلعت حرب هناك ، لازلنا في الجمالية و لكن نذهب معاً إلى الغرب قليلاً إلى حيث ( بيت القاضي ) ذلك الميدان العتيق الذي يتفرع منه شارع رئيسي و ثلاث حارات منها إثنتان تنتهيان و الشارع عند شارع المعز ، أما الحارة الثالثة فتنتهي عند شارع الجمالية..
ولميدان بيت القاضي هذا بوابة ضخمة إذا خرجت منها و اتجهت يميناً تصل إلى قلب خان الخليلي أو ميدان الحسين ، أما إذا كنت قادماً من ميدان الحسين و دخلت ميدان بيت القاضي عبر بوابته الضخمة ستجد بناءاً أثرياً مميزاً و ضخماً على يسارك و هو ( مقعد الأمير ماماي السيفي ) أحد أمراء السلطان قايتباي، و في هذا المقعد _ و الذي كان جزءاً من قصر ضخم _ تمت مبايعة محمد علي باشا الشعبية عام ١٨٠٥ م، بعدها انتقل الى مقر حكمه المعروف بالقلعة، أما تسمية هذا الميدان ( بيت القاضي) فإنما تعود إلى أن ” مقعد ماماي السيفي” هذا كان مقراً للمحكمة الشرعية في العصر العثماني حتى انتقلت المحكمة إلى بيت ” رب السيف و القلم” محمود سامي البارودي بالحلمية الجديدة على مقربة من القلعة عام ١٩٢٥م ، و في الميدان أيضاً كان هناك قصر أحدث تاريخياً كان يشغله كراكون الجمالية أو قسم شرطة الجمالية حتى انتقل منذ سنوات قليلة إلى مقره الحالي بالدراسة ؛ أما الحارة الوسطى بالميدان فتربطه بشارع المعز منتهية كذلك ببوابة أخرى لكنها أصغر من بوابة بيت القاضي، في هذه الحارة و قبل أن تتركها لتصل إلى بوابتها و منها إلى شارع المعز، بيت كان لأسرة مصرية متوسطة الحال، حيث كان يقطن هذا البيت السيد ( عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا ) و زوجته السيدة ( فاطمة مصطفى القشيشة ) إبنة الشيخ مصطفى القشيشة أحد علماء الأزهر الشريف، و أبناؤهما السبعة.. أصغر أبناء هذه العائلة ولد يوم الإثنين ١١ ديسمبر عام ١٩١١م، و قد أسماه والده إسماً مركباً على إسم الطبيب الذي تولى توليد والدته الست فاطمة القشيشة بعد خضوعها لعملية توليد كانت متعسرة، و قد كان هذا الطبيب ” نجيب باشا محفوظ” أشهر طبيب أمراض نساء و توليد في الشرق الأوسط آنذاك؛ و من ثم و تقديراً لدور الطبيب سُمي المولود ( نجيب محفوظ) ؛ ليشهد بيت القاضي و الجمالية ميلاد أديب نوبل العظيم نجيب محفوظ..
نشأ نجيب محفوظ في حضن هذا المتحف المفتوح لفنون الحضارات الإسلامية بمدارسها و فنون عصورها المختلفة ، نشأ بين حرافيش مصر المحروسة ، بين حارات الجمالية و الحسين، فتشبعت عيناه قبل أدبه و فنه بهذه البيئة المصرية الخالصة، نشأ بين أروع الآثار الإسلامية و على بعد خطوات من المشهد الحسينى حيث عبق التصوف و روائح الدروشة و رحاب أشهر اضرحة آل البيت الكرام في بر مصر المحروسة..
درس نجيب محفوظ الفلسفة و تخرج في كلية الآداب عام ١٩٣٤ م ثم عمل في وظائف حكومية عديدة إذ تنقل بين وزارات الأوقاف و الإرشاد القومي و الثقافة حتى أصبح رئيساً لمجلس إدارة المؤسسة المصرية العامة للسينما، بعد ذلك تفرغ للكتابة في جريدة الأهرام القاهرية..
أما مشوار الأدب عند نجيب محفوظ، فقد بدأ عام ١٩٣٩م بكتابته للرواية و القصة؛ حيث نشر رواية ( عبث الأقدار) عام ١٩٣٩م ثم رواية ( كفاح طيبة) و بعدها ( رادوبيس)، تلا ذلك مجموعة من الروايات الواقعية التي استمد أحداثها من بيئته الحياتية، من حي الجمالية و منطقة المشهد الحسينى مثل ( خان الخليلي) و ( زقاق المدق) بعدها كتب في مجال الرواية الرمزية فقدم لنا ( الباقي من الزمن ساعة) و ( أولاد حارتنا ) ثم ثلاثيته الشهيرة التي أبدعها عام ١٩٥٢م، ( بين القصرين و قصر الشوق و السكرية )؛ و الحقيقة أن تقديم أعمال نجيب محفوظ سينمائياً ساهم كثيراً في شهرتها و شهرته، و لعل أروع ما طرحته الأعمال الأدبية العظيمة لنجيب محفوظ ؛ هو الواقعية المثيرة، ذلك بخروجها لحماً و دماً من رحم الحارة المصرية الأصيلة بأحداثها اليومية المركبة ؛ حتى يكاد المتلقي أن يشم _ قارئاً أو مشاهداً _ رائحة البشر و الحجر في حواري الجمالية العتيقة..
وخلال مسيرته المؤثرة حصل نجيب محفوظ على العديد من أشكال التكريمات و التقدير على المستوى الثقافي و الأدبي الرسمي في مصر ؛ حيث حصل على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام ١٩٦٢م، و جائزة الدولة التقديرية عام ١٩٦٨م، و قلادة النيل العظمى شتاء عام ١٩٨٨م ذلك بعد حصوله على جائزة نوبل في الآداب في ١٣ أكتوبر من نفس العام ؛ كأول روائي عربي يحصل على هذه الجائزة العالمية الرفيعة عن مجمل أعماله الأدبية.. أو في مجال الآداب بصفة عامة..
الرائع و المبهر في قصة حياة نجيب محفوظ هو نشأته في هذا الحي الشعبي البسيط و في أسرة متوسطة لأب لم يقرأ في حياته سوى المصحف الشريف، و من بعده كتاب ( حديث عيسى بن هشام) لكاتبه المويلحي الذي كان صديقاً له، فرغم أن نجيب محفوظ قد نشأ في أسرة بسيطة ثقافياً، لكنه شب في حي ثري للغاية في تفاصيله و حكاياه و طبيعة ناسه من ناحية، و بديع مبناه حيث روعة العمارة الإسلامية بجميع تفاصيلها في مكان واحد من ناحية أخرى..
و هكذا يكمن السر في نبوغ نجيب محفوظ ؛ في عطاء المكان و غنىٰ التفاصيل و تفرد تراث الحرافيش الملييء بالحكايات المدهشة من حوله طفلاً و صبياً و شاباً ، هذا السر الذي جعل نوبل تمد يدها لتمنح العالمية لأديب شديد المحلية، فمن بيت القاضي إلى نوبل التفاصيل كثيرة و متشابكة؛ لكنها شديدة الصدق ؛ الحارة و الميدان و الخان و قهوة الفيشاوي و حكايات العجائز و الشيوخ من أفواههم ، قصر الشوق و الزقاق و السكرية، كل أولئك قدموا مصر و نجيب للعالمية، فاستحق نوبل بينما لم يخلع عن وجدانه و روحه رداء الانتماء الذي تفوح منه رائحة البسطاء في هذا البلد الطيب..
سكن نجيب محفوظ الجمالية و سكنته، و ظلت تطارده بين حروف سطوره حتى رحل.. رحل كريماً مكرماً بعد أن اختارته نوبل كأول عربي تعانقه عرفاناً و احتراماً و تقديرا ..
ومن ( الخرنفش ) بالجمالية ايضاً حكايتنا التالية حيث تبدأ منها مسيرة زعامة!!

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى