مقالات وآراء

ضوء فى أخر النفق .. إسكندرانى الغورية .. أول القصيدة خناقة

بقلم:محمود الشربيني
———————-
-أحببته عندما غني..وأحببته عندما تجسس، ولا أذكر متي كرهته؟!
-كان وسيماً قسيماً أنيقاً ويغني بشكل مختلف :
آه ياجميل ياللي ناسيني
ياللي جراح الهجر كاويني
اسمح في يوم يا جميل وراعينى
من كتر شوقي اليك ما بنام
(هذه الكلمات للمبدع حسين السيد والألحان لعبد الرحيم المسلوب)
.. أما الصوت الدافيء الذي غني فهو للفنان سمير(الشهير بالاسكندراني) وإسمه في جواز سفره Samir El Eskandarany . لايعرف بالضبط إسمه الكامل “أو الحقيقي”إذا جاز القول، وربما كان لهذا علاقة بملفه الإستخباراتي كأحد أبطال المخابرات العامه المصرية زمن الرئيس عبدالناصر . إسمه المعروف سمير فؤاد، ويقال لوالده الحج فؤاد،كان يعمل في مجال الأثاث ،وعرف عنه حبه للفنانين والملحنين مثل زكريا أحمد ومصادقة الشعراء مثل بيرم ورامي . “سمير” من مواليد حي الغورية الشهير عام 1938،ودرس الفنون الجميلة ، وسافر إلي الخارج لبعض الوقت ، وهناك حدث تحول مثير في حياته!
-شغلتني في صدر شبابي حكايات الأبطال.. شخصيات المقاتلين المصريين والعرب ونشأتهم وظروفهم وحكاياتهم وذكرياتهم..كنت مغرماً بسير هؤلاء الرجال من البطل أحمد عبد العزيز إلي جول جمال ومن جواد حسني إلي الفريق الشاذلي..ومن رأفت الهجان(رفعت الجمال ) إلي سمير فؤاد( الإسكندراني)!وعندما وضعت إحدي قدماي في مؤسسة روزا اليوسف ، فكرت في لقاء سمير الإسكندراني.كان لدي فرصة للكتابة عنه في الجولات التي كنت أجريها في المسارح المصرية.إنتهزت فرصة عرض مسرحي له كان يجري بروفاته لتقديمه علي مسرح النهر وذهبت للقائه .تحدثت معه من هاتف المجله .. ساعدني “عم أبو طالب” -أحد معالم روزا- رحمةالله عليه.وقلت لسمير هاتفيا” أنا جاي أخلص علي حكاية التجسس بتاعتك مرة واحدة وأكتب عنها وأكشف تفاصيلها للناس”! لم يكن سمير وقتها بالطبع محبوبا ولا فنه يلقي تقديراً من عشاق ثومة وعبد الوهاب وحليم ونجاة ..كان يغني فرانكو آراب وهو الذي أدخل هذا اللون الغنائي. واستهوي ذلك اللون الشباب الذي كان قد بدأ يولع أيضاً بنقيض الاسكندراني “احمد السح الدح إمبو” ،و بفرق أخري مثل مصريين هاني شنوده ، وفور إم أولاد أبوعوف ، والسلام و خالد سليم مبدع الموسيقي المتحدية لإعاقته البصرية.فرانكو آراب سمير جذب إليه الشباب ، فراحوا يحضرون حفلاته ويرقصون مع نغماته وعلي إيقاع تمايلاته . أفسح هذا الجيل مجالاً في وجدانه لخوليو إيجليسياس وداليدا،وأيضاً ل “فول بالزيت الحار نار ياحبيبي نار”! .ولأن سمير كان فنانا بحق فإنه لبي دعوة العمل في مسرح الدولة ،وقت أن كان “مسرح النهر “إختراعاً ثقافياً،أظنه- وقليل من الظن ليس إثما كبيراً- اليوم مات واندثر..كما إندثر مسرح “الجيب” ومسرح “الغرفة” ، في زمن بات فيه إنطفاء المسارح وخروج المؤسسات الثقافية من معركة البناء والتنمية ومكافحة طيور الظلام علامة وقرينة علي فشل ذريع لمن يتولون الأمور.
-شددت القلم مرتحلاً إليه، ممنياً نفسي بحديث صحفي ساخن يثري عقول الناس.التقينا .. تصافحنا .. ثم جلست أتابعه وهو يؤدي بروفاته ..متعة أن تتابع فنان وهو يتحرك علي الخشبة ، وهو يستجيب لأوامر ملك العرض .. المخرج صاحب الحق الوحيد في الأمر والنهي في هذه البقعة الصغيرة ومحيطها:ال stage . متعة أن تري الممثل وهو يحاول أن يصل إلي أغواره تعبيراً وانفعالاً .سمير لفتني بحركاته الواثقة علي المسرح.. مطرباً بأناقة ورشاقة ..وإبتسامته تزين وجهه ..لاتعرف متي يغضب.. هو يهتم ..لكنه لايتجهم.
-عند السادسة تقريباً إستقللت معه السيارة المرسيدس الكلاسيكية التي لم أنتبه إلي سنة موديلها ولا أذكر إن كان لونها أصفر أم أسود.خطأ مهني لاأظنه صغيراً اليوم، فقد تعودت أن أنتبه لهذه التفاصيل الصغيرة ،لأنها قد تصبح موضوعا مستقلاً ذات حدث ..حقيقي كان ..أو مخترع إختراعاً ،وماأكثر مافعلنا ذلك نحن الذين إحترفنا الكتابة الصحفية في الصحف العربية.
-بُهِت .. فوجئت.لم أصدق أن الإسكندراني يمكنه أن يفعل ذلك بي..وأنا الذي تابعته لنحو ثلاث ساعات كان يؤدي خلالها بروفاته! فاجأني بإيقاف سيارته سيارته أمام الأميركيين ناصية سليمان باشا، وراح يتحدث بلهجة من إتخذ القرارغير عابيء بشيء.. قال:معلش بقي ياأستاذ.. نعمل شغلنا أنا وأنت بعدين ..أنت هتنزل هنا وإحنا هنكمل عالمقطم !!
– قلت لنفسي وكلي حزن:أيكون معتاداً علي ذلك مع زملائي؟ ولو.. لايعنيني هذا. تمثلت هدوءاً زائفاً وقلت : أنا أمثل صباح الخير..وذلك شيء عظيم.كل النجوم كانوا يأتون إلي مقر المجلة لإجراء أحاديثهم الصحفية.لكني وقبل أن يستبد بي الغضب أضفت :كيف تتصور أنني سأقبل بماتقول؟
-تكهربت الأجواء في المرسيدس.. كان معنا في السيارة من يرتبون معه للعمل أوماشابه.لكن أحداًمنهم لم ينبس ببنت شفه.هنا إستدار سمير بكامل جسمه ناحيتي حيث كنت أجلس في أقصي اليسار(موقفي الطبيعي في الحياة!)وقال بهدوء:”نعمل إيه ؟زي مانت شايف وسامع الوضع متلخبط أد إيه؟قلت له:لاأستطيع المغادرة من دون أن أنهي عملي!انا ياأستاذ باشتغل في مجلة كبيرة ومعروفة.أوشكت أن أقول له أنت تتمني أن تنشر لك صباح الخير . فجأه بدا وكأن تواصلاً روحياً بدأ ينسج خيوطه بيننا فقال : طيب حضرتك هتنتظرني تاني حتي أنتهي من مواعيدي وبعدها أنا تحت أمرك.أنت الليلة ضيفاً عليَّ في البلير (فندق بليرالمقطم حيث كان يغني كل ليلة )قلت بارتياح :معاك للصبح!
-انتهي الجو المكهرب.لكن سمير تغير تماما.فعندما إتخذت مقعدي في الصالة جاءني من يدعوني للإنتقال إلي مكان آخر.وهناك..تماماً أمام “البست” أجلسني المتردوتيل ، وقالت لي ليلة سعيدة يافندم.. أنت الليلة ضيف الأستاذ سمير.
تباعاً إكتظت الصاله بالضيوف، ونشطت الحركة في كل إتجاه ،ومع هذا فإن النادل الذي كلف بضيافتي كان كلما نظرت إليه ولو بالخطأ يأتي إلي بكل رشاقة يسألني طلباً أو أمراً !
فجأه أخذت الفرقة الموسيقية أماكنها وبدأت الدندنه وضبط الأوتار والنغمات والنوتات..وبعدها بقليل دوي التصفيق .كان إعلانا باستعداد دخول سمير الإسكندراني إلي المسرح!
بنعاهدك ياغالية
ياللي عاش حبك يعلم/ كل جيل من بعد جيل
ياللي علمتينا دايما نلغي كلمة مستحيل .
إهتزت الأفئده علي وقع أغانية الوطنية .. وكذا العاطفية وتنفس الناس دفئاً وشجناً عندما غني قمر له ليالي ، وعلي خده ياناس كم ورده، ويانخلتين و دوسة يادوسة .
في لحظة تحولت من صحفي مشاكس إلي معجب ..هتفت من أعماقي: ممكن نسمع يارب بلدي وحبايبي والمجتمع والناس؟
رد بصوته المميز قائلا وهو يضغط علي مخارج الحروف حرفاً حرفاً:دي نختم بيها !
الليل وآخره قضيته في البلير الشهير مع نغم إسكندراني الغورية سمير الإسكندراني ، وعلي وقع “يارب بلدي وحبايبي والمجتمع والناس ، حملني سائق سيارته بعد الفجر إلي بيتي ..شقة بولاق .. فلم يعد ممكنا عملياً إجراء أي حوار علي وقع أصداء ماجري تلك الليلة!
للتواصل مع الكاتب حول المقاله:
[email protected]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى