مقالات وآراء

الحلقة الثانية الخديوى أبن (قصر الشوق)

كتب \  الأعلامى  طارق مصطفى

( المسافرخانه) أجمل دور القاهرة في القرن ١٩ الميلادي، بيت أثري مهيب بديع يحمل بين جنباته الكثير من النماذج الفنية المبهرة من الأرابيسك و الملاقف الخشبية أعلىٰ البيت تلك التي تسحب الهواء الطلق إلى داخل الدار صيفاً بينما تُغلَق شتاءًا، إلى جانب أعمال من الرخام و الفسيفساء و الزجاج الملون و المشكاوات الإسلامية، فضلاً عن أكبر مشربية من الطراز الإسلامي عرفها العالم إلى الآن، و يرتفع المسافرخانه لنحو ٢٢ متراً ، و له مدخلان؛ أولهما من حارة ( درب المسمط) بشارع الجمالية – الشارع الشعبي القاهري الشهير – و ثانيهما من حارة ( درب الطبلاوي) الواقعة عند مدخل شارع ( قصر الشوق )، و الحارتان تقعان على يمين القادم من ميدان المشهد الحسينى تجاه الجمالية..
داخل درب الطبلاوي و أمام المسافرخانه مباشرة و في بيت رقم ١ عطفة باجنيد ولد و نشأ الأديب الكبير و المؤرخ جمال الغيطاني و الذي يصف في أحد كتبه المسافرخانه قائلاً ” إنه النسخة المصرية من قصر الحمرا بإسبانيا و إيوان كسرىٰ ببلاد فارس”..
المسافرخانه، هذا البيت الأثري البديع بناه شاهبندر تجار القاهرة محمود محرم الفيومي و سكن فيه و يقول الغيطانى ” لقد أقام محرم ( فرح) إبنه بهذا البيت الذي كان داره و مقراً لإدارة أعمال تجارته “..
في أوائل القرن ١٩ الميلادي إشترى محمد علي باشا المسافرخانه؛ لتحويله إلى مضيفة كبيرة راقية لاستقبال ضيوف البلاد و ضيوفه من الزعماء و الملوك و علية القوم من كل أنحاء المعمورة، ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذا البيت الفريد يليق باسم و ضيوف من يطلق عليه ” عزيز مصر أو مؤسس الأسرة العلوية” أو ( مؤسس مصر الحديثة ) كما كان هو يروج لنفسه، و هكذا فقد شهد هذا البيت لقاءات و حكايات الحكم و السياسة في مصر و عاصر إقامة محمد علي باشا نفسه لبعض الوقت فيه كأحد قصور حكمه، أي أن بعض القرارات المهمة في تاريخ المحروسة كانت تصدر أحياناً من هنا من حارة متفرعة من قصر الشوق!!
أما الحدث الذي أراه لا يقل أهمية عن اختيار ( المسافرخانه) كأحد الدور التابعة لدور الحكم الرسمية في مصر؛ فهو ميلاد الخديوي إسماعيل في هذا البيت، نعم ففي يوم ٣١ ديسمبر عام ١٨٣٠ م وضعت ( هوشيار قادن) زوجة إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا، وضعت إبنها الخديوي إسماعيل ويقال في بعض المصادر إن أمه هي ( الأميرة فاطمة) والتي أهداها محمد علي البيت .. على أية حال ولد الخديوي إسماعيل بالقاعة القبلية بالطابق العلوي من المسافرخانه، و نشأ و تربى في درب الطبلاوي على بعد خطوات من الحرافيش و لمدة ثماني سنوات ، إذن الخديوي إسماعيل هو ابن قصر الشوق، و لاعجب ، فهذا الحي في هذا الزمان كان حاضرة القاهرة و من أهم مناطقها و أرقاها..
حكم الخديوي إسماعيل فيما بعد مصر المحروسة من عام ١٨٦٣م إلى عام ١٨٧٩م؛ لذا نستطيع أن نقول إن المسافرخانه شهد ميلاد خامس حكام الأسرة العلوية و المؤسس الثاني لمصر الحديثة بعد جده محمد علي باشا..
و لأن لا شيء يدوم، كحال الدنيا، فالمسافرخانه هذا البيت الأثري عظيم الشأن و التاريخ و السيرة و الحكايات، أو ذلك القصر الذي شَرُفَ أيضاً بالجبرتي و عبد الله النديم زائرين؛ ثم شَهد في العصر الحديث كوكبة من أساطين الفنون الجميلة، حيث كانوا يمارسون الرسم في قاعات خصصت لبعضهم فيه ، هذا القصر تهاوي و تهالك بفعل الزمن و الإهمال إلى أن رممه دكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة عام ١٩٦٩م ضمن فعاليات الاحتفال بمئوية القاهرة، لكنه احترق مرتين في يناير و أكتوبر من عام ١٩٩٨م ؛ و عن حريق المسافرخانه يقول الغيطاني ( إنه أعظم و أفدح من دمار و حريق دار الأوبرا الملكية بالقاهرة)
و حكايا الجمالية لازالت ثرية، و لحكايا ناس بر مصر المحروسة بقية، و سوف ننتقل بكم عبر الزمن إلى بيت صقر بيه بقصر الشوق و حكاية غيرت وجه مصر الحديث.. انتظرونا …

ل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى