مقالات وآراء

الحلقة الثالثة قطار الإقتصاد تحرك من ‘‘قصر الشوق‘‘

بقلم  \  الإعلامي طارق مصطفى

عندما تكون في ميدان الحسين متجهاً للباب الرئيسي لمسجد مولانا، أقرا الفاتحة ثم اتجه يميناً مع الميدان، ستصعد بعدها عدة درجات سلم تأخذك يساراً إلى شارع أم الغلام ، و منه تلقائياً الى شارع قصر الشوق.. أمتار قليلة أخرى و تجد على يمينك بيتاً عتيقاً عظيماً؛ ( بيت صقر بيه ) أو ما يعرف الآن طبقاً لخط التنظيم الحديث ب ( ٣ شارع قصر الشوق ) ، هذا البيت الكبير كانت تمتلكه عائلة صقر بيه كما هو واضح من اسمه و هو بيت ضخم، كل مافيه يتسم بالضخامة و الفخامة و البحبوحة، بداية من الباب العتيق الكبير جداً للبيت مروراً بالفناء المربع الفسيح و وصولاً إلى الشقق الكبيرة ذات الحجرات المتسعة عالية الأسقف بحيث يمكن أن تقوم بإنشاء ( سندرة خشبية) علوية بأيٍ من الحجرات فتصبح الحجرة الواحدة إثنتين يربط بينهما سلم خشبي ذلك على سبيل التخيل، ستتأكد من هذا الوصف بنفسك عندما تقف أمام درجات سلم هذا البيت، فدرجات الدور الواحد هنا تتعدى بالراحة أكثر من ضعفي درجات سلم أي بيت معاصر، و يعلو طوابق البيت سطح ضخم يطل على فناء البيت من جميع اتجاهات أسواره الأربعة ، و كذلك تطل أسواره الخارجية فوق شبابيك الشقق و مشربياتها على مئذنة سيدنا الحسين و على شوارع و حارات الجمالية، و يحتوي هذا السطح أيضاً على غرف عديدة أُعِدت للغسيل و لإقامة الخدم و الشغالين.. نعود لأصحاب هذا البيت إلى أسرة ( صقر بيه ) التي نزحت من منيا القمح بمحافظة الشرقية لتقطن إلى جوار مسجد مولانا الإمام الحسين، حيث كانت هذه العائلة الثرية تميل ميلاً جارفاً لحب آل البيت خاصة مولانا الحسين و كان منهم من مشى في ركاب السادة المتصوفة ككثير من المصريين..
واحدة من بنات صقر بيه صاحب البيت المشار إليه؛ هي – فيما بعد – والدة أبو الإقتصاد المصري و مؤسس نهضة مصر الإقتصادية، حيث تزوجت هذه الفتاة من حسن أفندي محمد حرب الموظف الكبير بسكك حديد مصر للحكومة المصرية، والذي كان ينتمي لعائلة حرب المنتشرة في قرية ” ميت ابو علي” و توابعها بمنيا القمح بمحافظة الشرقية، و قد نتج عن هذه الزيجة ( الشرقاوية ) الخالصة إنجاب مولود وضعته أمه في إحدى شقق بيت أبيها صقر بيه بقصر الشوق حيث أقام الزوجان؛ و قد أسميا الزوجان مولودهما ” محمد طلعت” حيث شرفت به مصر المحروسة وليداً عصر يوم ٢٥ نوفمبر من العام ١٨٦٧م.. إنه طلعت حرب ذلك الوليد المعجزة؛ الذي أسس – حين أصبح شاباً – للإقتصاد الوطني المصري، إنه صاحب هذا المشوار المبهر المسجل باسمه بأحرف من نور والذي من خلاله قدم نقلة نوعية إقتصادية عظيمة لوطنه مصر .. و هذا ما سنطلع عليه هاهنا معاً ..
نشأ طلعت حرب في الجمالية حي ولاد البلد الطيبين الخيرين عشاق آل البيت، في قصر الشوق على بعد خطوات من المشهد الحسينى، نشأ طلعت حرب فتى متديناً و صبياً وطنياً و نابغاً ، و سنرى كيف انعكست تلك البيئة الثرية على فكره و حياته، حيث تأثر طلعت حرب بالفقراء و البسطاء و بتراث عظيم ساطع أمام عينيه في كل التفاته ؛ من مساجد و أسبلة و آثار إسلامية عديدة منها الفاطمية ومنها المملوكية و غيرها ، فنشأ طلعت حرب؛ صبياً نبيلاً أسرياً من ناحية ، و ابناً ذكياً و مخلصاً لبيئته المحيطة و حيه الثري إنسانياً بمحتواه الديني و الثقافي من ناحية أخرى .. و سريعاً ما يتمكن ذلك الشاب بنبوغه الفذ من ” هضم” كل ما طالعه و عاينه ورآه حوله في قصر الشوق و الجمالية من عادات البشر و عراقة الحجر ..
أتم طلعت حرب دراسته الثانوية بمدرسة التوفيقية ثم تخرج في كلية الحقوق عام ١٨٨٩م ثم في كلية العلوم أيضاً.. بعدها انطلق في حياته العملية و داخله حلم أراد أن يحققه لوطنه و للبسطاء ممن يعيشون حوله هنا في القاهرة أو هناك في الشرقية التي كان يتردد عليها مع أسرته، فقد عين طلعت حرب مديراً للشركة المصرية العقارية و عمل منذ اليوم الأول على أن يجعل معظم أسهمها للمصريين، كذلك أنشأ أول نظام مالي لإقراض المصريين بشروط ميسرة من خلال إنشائه لشركة التعاون المالي للإقراض، مما مهد لاحقاً لإنشاء ( بنك مصر )..
وفي مساء يوم الجمعة ٧مايو من العام ١٩٢٠م و بمرسوم سلطاني وقعه سلطان مصر أحمد فؤاد تم إقرار تأسيس شركة مساهمة تدعى ( بنك مصر )، ذلك الكيان الكبير الذي تولى طلعت حرب إنشاءه برأس مال ١٨٠ ألف جنيه مصري و بدأ بفرع واحد في شارع الشيخ أبو السباع بوسط القاهرة و سرعان ما أصبح للبنك ٣٧ فرعاً بعد مرور ١٨ عاماً فقط على إنشائه ، و هذا النجاح المبهر لك أن تتصور حدوثه في ظل المحاولات المستميتة للاحتلال الانجليزي لمنع تأسيس مثل هذا البنك الوطني من الأصل ..
و لتحقيق رؤاه لرفعة وطنه و التأسيس لاقتصاد مصري مستقل و قوي، كان طلعت حرب يعمل ١٥ ساعة في اليوم و لمدة خمس سنوات و دون مقابل، و عينُهُ فقط على النهوض بالاقتصاد الوطني المصري ..
بادر طلعت حرب خلال هذه المرحلة بمبادرات خاصة لدفع المصريين للعمل بالتجارة، حيث أنشأ مع صديقه ” فؤاد الحجازي” متجراً للبقالة لتشجيع المصريين على اقتفاء أثره و العمل بالتجارة تحت شعار ( من حسب كسب).
و لعل أهم المشروعات التي أقامها بنك مصر، شركات مصر للغزل و النسيج بالمحلة الكبرى و مصر للطيران و مصر للسياحة و استديو مصر للسينما و مصر للتأمين و مصر للنقل البري و التي ظهرت أولى سيارات اسطولها في فيلم ( الوردة البيضاء) للموسيقار محمد عبد الوهاب..
ظل طلعت حرب محتفظاً بما استقاه من نشأته الدينية في الجمالية و كذلك من أصوله الريفية الشرقاوية ، فكان من تعليماته ألا يمول بنك مصر أي مشروع يسيء ” للخلق العام” ، كما اتضح ذلك التوجه الديني و الأخلاقي أيضاً في بعض مؤلفاته و منها كتابان عارض خلالهما فكر و ثقافة قاسم أمين محرر المرأة و هما ( فصل الخطاب في المرأة و الحجاب) و ( تربية المرأة و الحجاب) فضلاً عن كتابه القيم ( تاريخ دول العرب و الإسلام) ،و في إطار آخر قدم طلعت حرب كتابه القيم ( مصر وقناة السويس) ١٩١٢م، ذلك الكتاب الذي آثار حفيظة الاحتلال الانجليزي ضده و لكن مع إخلاصه ساندته السراي..
و من المواقف المشهودة لابن البلد الوطني المخلص و الاقتصادي العظيم طلعت حرب؛ أنه عندما تقرر تصفية و بيع أراضي ( الدائرة السنية) تحت إشرافه قرر أن يكون بيع أراضيها لصغار الفلاحين..
في النهاية، أختتم بما قاله المستشرق و عالم الاجتماع الفرنسي ” جاك بيرك” عن طلعت حرب حيث قال ” إن ميزة طلعت حرب الأولى كانت في إدراكه للقوة الكامنة و الإمكانيات الهائلة التي لم تستغل بعد عند مواطنيه”..
هذا هو الإقتصادي المصري العظيم طلعت حرب الذي منحه الملك فؤاد الأول درجة الباشاوية عام ١٩٣١ م، هذا طلعت حرب ابن قصر الشوق و الجمالية و الذي منحه الرئيس السادات قلادة النيل العظمي عام ١٩٨٠م بعد رحيله بنحو أربعين عاماً، حيث رحل طلعت حرب عن عالمنا يوم الثالث عشر من أغسطس عام ١٩٤١ م بقرية ( العنانية) بمركز فارسكور بمحافظة دمياط،حين أطفأ الموت البدر الذي يفتقد في الليلة الظلماء..
و لازلنا في الجمالية و حكايتنا القادمة من ( بيت القاضي )!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى