مقالات وآراء

ملوك العالم فى ضيافة (الحرافيش )

 

بقلم الإعلامي طارق مصطفى

الحلقة الأولى

قبل أن ينتبه القراء في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي إلى معنى اسم ملحمة أديب نوبل العظيم عمنا نجيب محفوظ ( الحرافيش ) ، سأل كثيرون كمن سبقوهم عن معنى اسم الملحمة ، حتى من صادفه المسمى في قراءة قديمة؛ أراد أن يعرف على وجه التحديد من هم ( الحرافيش ) و البعض خمن من مضمون ملحمة محفوظ، و كثيرون تعرفوا على ملامح هؤلاء الفئة من المصريين من خلال المسلسل الذي قُدِّمَ على شاشة التلفزيون أو الفيلم الذي عرضته الشاشة الفضية عن الملحمة الشهيرة لنجيب مصر أو ( الحرافيش )؛ على أية حال، الحرافيش هم ما يمكن أن نطلق عليهم أدبياً ” ملح الأرض” أي تلك الطبقة البسيطة رقيقة الحال – المهمشة طوال الوقت و المهمة في ذات الوقت – و التي سكنت و عاشت و عاصرت التاريخ بتحولاته الحادة و ذلك بين حارات و أزقة و دروب القاهرة التاريخية القديمة بدءًا من عصر المماليك و مروراً بكل العصور التي تلته و حتى يوم الناس هذا، و من بين ماقيل عن حرافيش المحروسة إنهم تلك الطائفة من الطبقة المتوسطة التي ظهرت في العصر الأيوبي و شاركت في قتال الصليبين، و لكن ككل الحكايا في بلادي سرعان ما تحولوا إلى طبقة فقيرة بسيطة من المهنيين و الحرفيين الذين يدينون بالولاء لسلاطين المماليك طالما مكنوهم من أن يعيشوا حياتهم يوماً بيوم في يسر و بحبوحة و العكس صحيح فقد كانوا سرعان ما ينقلبوا على سلاطين المماليك إذا ما ضاقت عليهم حياتهم لأي سبب كان حتى لو انشغل عنهم السلاطين بأمور الدولة أو كانت بعض الحروب في حالة اشتعال.
و في مختلف العصور الإسلامية التي عاشتها القاهرة القديمة كان الحرافيش يسكنون في حارات و أزقة حي الجمالية ( أصل القاهرة التاريخية ) بالقرب من قصور و بيوتات الأمراء و الوجهاء و علية القوم حيث كانوا يعملون في خدمتهم أو إنهاء مصالحهم من السقاية و نقلهم على العربات التي تجرها الخيول وحتى تفصيل النعال و الملابس مروراً بكل ما يحتاج إليه ( الكُبرات ) من أمور المعايش و الخدمات المختلفة.
و من المعروف أن نجيب محفوظ ولد و عاش صباه في الجمالية، و تشكل وعيه الأول فيها، بل و أُغرم بتفاصيل هذا الحي و دقائق و حكايا أهله، خاصة أولئك العجائز ممن عاشوا نهايات عصور الحرافيش و الفتوات و قد كان مفتوناً بقصصهم الذي لا ينتهي مابين الحقيقة و الخرافة أو الحواديت التي يجزموا أنهم رأوها رأي العين ، و من هنا استلهم نجيب محفوظ اسم ملحمته الشهيرة الحرافيش التي خرجت إلينا كائناً حياً لحماً و دماً، مرتدية ثياب حرافيش المحروسة و تهب منها رائحة و عبق أيامهم..
و لعلي هنا أجدني مأخوذاً إلى صفحات من ذلك الزمن البعيد حُبلىٰ بالطرائف و العجائب عن ( الجمالية ) و الحرافيش و مشاهير المحروسة الذين شبوا عن الطوق في تلك البيئة، فأصطحبكم و نمتطي صهوة آلة الزمن و أعود بكم إلى نحو خمسمائة عام مضت، و أتجول بكم بين حارات الجمالية راصداً أسراراً لها العجب..
تعالوا بنا نتوقف أمام هذا القصر الذي كان يوماً من أروع قصور مصر المحروسة، نعم هو الآن بعض أطلال و بقايا بعد أن احترق عام ١٩٩٨م ، لكن رائحة الفخر و العظمة لازالت تضوع من هذا المكان، ( المسافرخانه ) أو يطلق عليه أهالى الجمالية ( السفرخانه ) ، و المسافرخانه نستطيع أن نقول عنه إنه المضيفة، و المسافرخانه هذا هو بيت أثري نادر التكوين إنتهى بناؤه عام ١٧٨٩م، أما صاحبه و بانيه فهو ( شاهبندر التجار ) محمود محرم الفيومي _ له مسجد أثري يحمل اسمه بالجمالية إلى الآن _ أما المسافرخانه فهو بيت له مدخلان تدلف إليهما يميناً و أنت قادم من ميدان الحسين بوسط القاهرة إما من درب الطبلاوي عند مدخل حارة قصر الشوق أو من درب المسمط بعدها بأمتار، و كما كانت هذه المنطقة من القاهرة- أعني الجمالية – سكناً للوجهاء و الأكابر ملوكاً و أمراءًا و زعماءًا و قادة، فإنه في نفس الوقت و على أطرافها و بين أزقتها الداخلية في ( العطوف) و ( كفر الطماعين ) و غيرها، عاش الحرافيش..
ما يهمنا هنا أن تعرف أنه بعد سنوات قليلة من بناء المسافرخانه، أقدم محمد علي باشا على شراء هذا البيت الفخيم، و حَوَّلَهُ إلى مضيفة كبيرة خصصها لاستقبال كبار زوار مصر المحروسة من مختلف اقطار العالم القديم؛ ذلك لفترة طالت لسنوات خلال فترة حكمه.. و لعل أهم ما يميز المسافرخانه ذلك الحدث المهم الذي كان بين أهم أحداث المحروسة عام ١٨٢٩ م
… هذه بعض صور للمسافرخانه، و هذا وعد باستكمال الحكاية..ملوك العالم في ضيافة ( الحرافيش )..

بقلم الإعلامي طارق مصطفى

قبل أن ينتبه القراء في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي إلى معنى اسم ملحمة أديب نوبل العظيم عمنا نجيب محفوظ ( الحرافيش ) ، سأل كثيرون كمن سبقوهم عن معنى اسم الملحمة ، حتى من صادفه المسمى في قراءة قديمة؛ أراد أن يعرف على وجه التحديد من هم ( الحرافيش ) و البعض خمن من مضمون ملحمة محفوظ، و كثيرون تعرفوا على ملامح هؤلاء الفئة من المصريين من خلال المسلسل الذي قُدِّمَ على شاشة التلفزيون أو الفيلم الذي عرضته الشاشة الفضية عن الملحمة الشهيرة لنجيب مصر أو ( الحرافيش )؛ على أية حال، الحرافيش هم ما يمكن أن نطلق عليهم أدبياً ” ملح الأرض” أي تلك الطبقة البسيطة رقيقة الحال – المهمشة طوال الوقت و المهمة في ذات الوقت – و التي سكنت و عاشت و عاصرت التاريخ بتحولاته الحادة و ذلك بين حارات و أزقة و دروب القاهرة التاريخية القديمة بدءًا من عصر المماليك و مروراً بكل العصور التي تلته و حتى يوم الناس هذا، و من بين ماقيل عن حرافيش المحروسة إنهم تلك الطائفة من الطبقة المتوسطة التي ظهرت في العصر الأيوبي و شاركت في قتال الصليبين، و لكن ككل الحكايا في بلادي سرعان ما تحولوا إلى طبقة فقيرة بسيطة من المهنيين و الحرفيين الذين يدينون بالولاء لسلاطين المماليك طالما مكنوهم من أن يعيشوا حياتهم يوماً بيوم في يسر و بحبوحة و العكس صحيح فقد كانوا سرعان ما ينقلبوا على سلاطين المماليك إذا ما ضاقت عليهم حياتهم لأي سبب كان حتى لو انشغل عنهم السلاطين بأمور الدولة أو كانت بعض الحروب في حالة اشتعال.
و في مختلف العصور الإسلامية التي عاشتها القاهرة القديمة كان الحرافيش يسكنون في حارات و أزقة حي الجمالية ( أصل القاهرة التاريخية ) بالقرب من قصور و بيوتات الأمراء و الوجهاء و علية القوم حيث كانوا يعملون في خدمتهم أو إنهاء مصالحهم من السقاية و نقلهم على العربات التي تجرها الخيول وحتى تفصيل النعال و الملابس مروراً بكل ما يحتاج إليه ( الكُبرات ) من أمور المعايش و الخدمات المختلفة.
و من المعروف أن نجيب محفوظ ولد و عاش صباه في الجمالية، و تشكل وعيه الأول فيها، بل و أُغرم بتفاصيل هذا الحي و دقائق و حكايا أهله، خاصة أولئك العجائز ممن عاشوا نهايات عصور الحرافيش و الفتوات و قد كان مفتوناً بقصصهم الذي لا ينتهي مابين الحقيقة و الخرافة أو الحواديت التي يجزموا أنهم رأوها رأي العين ، و من هنا استلهم نجيب محفوظ اسم ملحمته الشهيرة الحرافيش التي خرجت إلينا كائناً حياً لحماً و دماً، مرتدية ثياب حرافيش المحروسة و تهب منها رائحة و عبق أيامهم..
و لعلي هنا أجدني مأخوذاً إلى صفحات من ذلك الزمن البعيد حُبلىٰ بالطرائف و العجائب عن ( الجمالية ) و الحرافيش و مشاهير المحروسة الذين شبوا عن الطوق في تلك البيئة، فأصطحبكم و نمتطي صهوة آلة الزمن و أعود بكم إلى نحو خمسمائة عام مضت، و أتجول بكم بين حارات الجمالية راصداً أسراراً لها العجب..
تعالوا بنا نتوقف أمام هذا القصر الذي كان يوماً من أروع قصور مصر المحروسة، نعم هو الآن بعض أطلال و بقايا بعد أن احترق عام ١٩٩٨م ، لكن رائحة الفخر و العظمة لازالت تضوع من هذا المكان، ( المسافرخانه ) أو يطلق عليه أهالى الجمالية ( السفرخانه ) ، و المسافرخانه نستطيع أن نقول عنه إنه المضيفة، و المسافرخانه هذا هو بيت أثري نادر التكوين إنتهى بناؤه عام ١٧٨٩م، أما صاحبه و بانيه فهو ( شاهبندر التجار ) محمود محرم الفيومي _ له مسجد أثري يحمل اسمه بالجمالية إلى الآن _ أما المسافرخانه فهو بيت له مدخلان تدلف إليهما يميناً و أنت قادم من ميدان الحسين بوسط القاهرة إما من درب الطبلاوي عند مدخل حارة قصر الشوق أو من درب المسمط بعدها بأمتار، و كما كانت هذه المنطقة من القاهرة- أعني الجمالية – سكناً للوجهاء و الأكابر ملوكاً و أمراءًا و زعماءًا و قادة، فإنه في ن…
[11:23 PM, 7/24/2020] Eman Mansour:

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى